لسان الدين ابن الخطيب

21

الإحاطة في أخبار غرناطة

إليك خطابي والحديث لغائب * كنيت بلفظي عن مغيبك بالعمد عليك سلامي إنني متشوّق * للقياك لي أو من جوابك بالرّدّ وفاته : توفي بغرناطة تحت جراية من أمرائها ؛ لاختصاصه بقراءة القرآن على قبورهم ، في التاسع عشر من شعبان عام ستة وثلاثين وسبعمائة . محمد بن عبد الولي الرّعيني من أهل غرناطة ، يكنى أبا عبد اللّه ، ويعرف بالعوّاد . حاله : من « عائد الصلة » : الشيخ المكتّب ، الأستاذ الصالح ، سابق الميدان ، وعلم أعلام القرآن ، في إتقان تجويده ، والمعرفة بطرق روايته ، والاضطلاع بفنونه ، لا يشقّ غباره ، ولا يتعاطى طلقه ، ولا تأتي الأيّام بمثله ، تستقصر بين يديه مدارك الأعلام ، وتظهر سقطات الأئمة ، مهتديا إلى مكان الحجج على المسائل ، مصروف عنان الأشغال إليه ، مستندا إلى نغمة رخيمة ، وإتقان غير متكلّف ، وحفظ غزير . وطلب إلى التّصدّر للإقراء ، فأبى لشدّة انقباضه ، فنبّهت « 1 » بالباب السلطاني على وجوب نصبه للناس ، فكان ذلك في شهر شعبان من عام وفاته ، فانتفع به ، وكان أدأب الناس على سنّة ، وألزمهم لميقات ورد ، يجعل جيرانه حركته إلى ذلك ليلا ، ميقاتا لا يختلف ولا يكذب ، في ترحيل الليل ، شديد الطرب ، مليح الترتيب ، لا تمرّ به ساعة ضياعا إلّا وقد عمرها بشأن ديني أو دنياوي ضروري مما يسوّغه الورع . يلازم المكتب ناصح التعليم ، مسوّيا بين أبناء النّعم ، وحلفاء الحاجة ، شامخ الأنف على أهل الدّنيا ، تغصّ السّكك عند ترنّمه بالقرآن ، مساوقا لتلاوة التجويد ، ومباشرا أيام الأخمسة والأثانين العمل في موئل كان له ، على طريقة القدماء من الإخشيشان عند المهن ونقل آلة الخدمة ، غير مفارق للظّرف والخصوصية . ويقرأ أيام الجمعات كتب الوعظ والرّقائق على أهله ، فيصغي إليه الجيران عادة لا تختلف . وكان له لكل عمل ثوب ، ولكل مهنة زيّ ، ما رأيت أحسن ترتيبا منه . وهو أستاذي وجاري الألصق ، لم أتعلّم الكتاب العزيز إلّا في مكتبه ، رحمة اللّه عليه . مشيخته : قرأ على بقيّة المقرئين الأستاذ أبي جعفر بن الزبير ، ولازمه وانتفع به ، وعلى الأستاذ أبي جعفر الجزيري الضرير ، وأخذ عن الخطيب المحدّث أبي عبد اللّه بن رشيد .

--> ( 1 ) تاء الضمير هنا تعود إلى ابن الخطيب ، مؤلف هذا الكتاب .